الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

103

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

والروايات كما لا يخفى الرابع ما دل من الأخبار على نفي الصلاة مع انتفاء بعض الأجزاء والشرائط كقوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقوله لا صلاة إلا بطهور وقوله عليه السلام لا صلاة لمن يقم صلبه ولا صلاة إلا إلى القبلة وقوله عليه السلام في بيان حد الركوع والسجود ومن لم يسبح فلا صلاة له ولا صيام لمن لم يبت الصيام من الليل إلى غير ذلك مما ورد من الأخبار في الصلاة وغيرها مما يقف عليه المتتبع فإن قضية ذلك بحسب ظاهر اللفظ هو نفي الحقيقة وقد أخبر به صاحب الشريعة ولو كانت أسامي للأعم لما صح ذلك بل لزم حملها على نفي صفة من صفاتها كالكمال أو الصحة مع بقاء الحقيقة وهو خروج عن ظاهر العبارة ثم إن هذه الروايات وإن كانت واردة في خصوص بعض الألفاظ وبعض الأجزاء والشرائط إلا أنه يتم الكلام في المقامين بعدم القول بالفصل إذ لا فارق بين تلك الألفاظ وغيرها ولا تلك الأجزاء والشرائط وما عداها مضافا إلى عدم فرق في العرف الذي هو عمدة معتمد القائلين بوضعها للأعم بين تلك الأجزاء والشرائط وتلك الألفاظ وغيرها وقد أورد عليه بوجوه أحدها المنع من كون العبارة المذكورة حقيقة في نفي وجود الماهية وإنما مفادها نفي وجود صفة من صفاتها الظاهر ذلك في بقاء الحقيقة نعم قضية وضعها القديم هو نفي الحقيقة لكن قد هجر ذلك المعنى بالنسبة إلى التركيب المذكور وحصل النقل إلى المعنى الثاني كما يظهر ذلك من ملاحظة استعمالاته كما في لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ولا قراءة إلا من مصحف ولا علم إلا ما نفع ولا عمل إلا بنية ولا كلام إلا ما أفاد إلى غير ذلك فغاية ما تكون تلك الأخبار أدلة على القول بوضعها للأعم على عكس ما أراد المستدل ثانيها أن العبارة المذكورة قد شاع استعمالها في نفي الكمال أو الصحة من غير أن يراد بها نفي الحقيقة فإن سلمنا بقاء وضعها لنفي الحقيقة فلا أقل من شهرة استعمالها في نفي الصفة بملاحظة تلك الشهرة تكون من المجازات الراجحة على الحقيقة فيقدم الحمل عليه على الحمل على الحقيقة ومع التنزل فلا أقل من مساواة الظن الحاصل من الشهرة للظن بإرادة الموضوع له فيحصل الإجمال الباعث على سقوط الاستدلال ويضعف هذين الوجهين أنه لا شك في كون مفاد العبارة المذكورة بحسب اللغة بل العرف أيضا هو نفي الحقيقة ودعوى نقلها أو كونها مجازا راجحا أو مساويا للحقيقة في نفي وجود الصفة مع انتفاء القرائن الخاصة مجرد دعوى خالية عن الحجة بل ملاحظة فهم العرف في استعمالها مجردا عن القرينة تنادي بخلافه كما في قولك لا وصول إلى الدرجة العالية إلا بالتقوى ولا روح للعمل إلا بالإقبال ولا قبول للطاعة إلا بالولاية إلى غير ذلك من الأمثلة المتكثرة ومجرد استعمالها في عدة مقامات قضت القرائن الداخلة أو الخارجة بإرادة نفي صفة من الصفات نظرا إلى القطع ببقاء الذات لا يقضي بعدم انصرافها إلى ما وضعت له مع انتفاء القرينة كيف وليس بأشيع من تخصيص العام واستعمال الأمر في الندب ولم يقل أحد فيهما بالنقل نعم ربما قيل بصيرورة الثاني مساويا للحقيقة إلا أنه موهون مردود عند المعظم فدعوى مرجوحية الحمل على المعنى المذكور أو مساواته للآخر عجيب وأعجب منه دعوى الحقيقة العرفية في ذلك كما لا يخفى على من أعطى النظر حقه في استعمالات تلك العبارة في مواضع الخلو عن القرينة ومما يوضح ما ذكرناه أنه قد احتج جماعة من الخاصة والعامة في بحث المجمل والمبين على نفي الإجمال في لا صلاة إلا بطهور ونحوه بأن مفاد العبارة نفي الحقيقة وهو ممكن وقد أخبر الشارع به فيحمل على الحقيقة ولم ينفوه هناك أحد بمنع دلالة العبارة على ذلك حتى إن من ذهب إلى الإجمال فيها لم يتثبت بذلك بل ادعى صدق الصلاة على الفاسدة فأثبت بذلك عدم إمكان صرف النفي إلى الحقيقة فالتزم بصرف النفي إلى الصفة وحينئذ بناء على إجمال العبارة من جهة تعدد الصلاة كالكمال والصحة ولم يقع منهم مناقشة في دلالتها على نفي الحقيقة كما هو معلوم من ملاحظة الباب المذكور من كتب الأصول ومن غريب الكلام ما ذكره بعض الأعلام في المقام حيث استشهد على عدم دلالة العبارة المذكورة على نفي الحقيقة بأنه لم يتمسك أحد من العلماء الفحول في ذلك المبحث لإثبات نفي الإجمال بأصالة الحقيقة وتمسكوا بكونها موضوعة للصحيحة من العبادات من العبادات لما عرفت من أن الحال على خلاف ما ذكره مصرحين بخلافه وهي مذكورة في معظم الكتب الأصولية منصوص به في كلام الأجلة ولولا مخالفة الإطناب في الكلام لذكرنا جملة من عبائرهم في المقام ثم الظاهر أنها في معظم الموارد التي لم يرد بها نفي الحقيقة على الحقيقة وإنما أريد بها ذلك أيضا على سبيل المبالغة فإن المقصود بالتعبير المذكور حصر الموضوع في المحمول ادعاء جعلا لما عداه بحكم العدم كما هو واضح بعد ملاحظة موارد تلك الاستعمالات ومجرد شيوع استعمالها كذلك لا يوجب هجر وضعها لنفي الحقيقة ونقلها إلى نفي الصفة أو المفروض ابتناء المعنى المذكور عليه وعدم استفادة ما هو المقصود إلا بذلك على أنه لو ادعي النقل أو الشهرة فإنما يدعى في نحو لا صلاة إلا بطهور حيث إن له نظائر كثيرة استعملت في المعنى المذكور وأما نحو لا صلاة له ولا صيام له ونحوهما كما في عدة من الأخبار المذكورة وغيرها فلا وجه لهذه الدعوى بالنسبة إليه أصلا وفيه كفاية في الدلالة على المدعى ثالثها أن ظاهر تلك العبارات وإن كان ذلك إلا أن ظاهر المقام يصرفها عن ذلك فإن شأن الشارع بيان الأحكام الشرعية لا مجرد انتفاء الحقيقة والماهية وعدم حصول مسمى الموضوعات اللفظية فينصرف إلى نفي الكمال والصحة كما قيل نحوه فيما أثبت فيه ذلك كقوله عليه السلام الطواف بالبيت صلاة والاثنان فما فوقها جماعة حيث حمل على إرادة الفضيلة وفيه أنه لا مانع من إرادة نفي الحقيقة في المقام إذ الحقيقة المذكورة من مقررات صاحب الشريعة فليس بيان ذلك إلا من شأنه والفرق بينه وبين المثالين المذكورين ظاهر لا يخفى رابعها أنه لو بني على ظاهر العبارة لزم أن لا تكون الصلاة الخالية عن الفاتحة صلاة ولو كانت متروكة نسيانا أو لعذر ولا قائل به والقول بتقييدها بصورة القدرة والعمدة خروج عن ظاهر اللفظ فليس بأولى من حملها على نفي الكمال من غير التزام بالتخصيص إذ لا بعد في كون الصلاة الناسي للفاتحة أو غير القادر عليها دون الصلاة الآتي بها في الكمال بل الظاهر ذلك ودعوى ترجيح التخصيص على المجاز غير جارية في المقام لشيوع التجوز هنا حتى قيل فيه بالنقل مضافا إلى ما في التخصيص المذكور من الخروج عن الظاهر لكونه تخصيصا بالأكثر وهو على فرض جوازه بعيد جدا ولا أقل من مساواته لما ذكر من الاحتمال